نوع مقاله : مقاله پژوهشی
چکیده
بیان المسئلة والهدف: تتمحور إشکالیة هذا البحث حول محاولة فهم طبیعة العواطف وتمثّلاتها فی دیوان ضمیر المخمل للشاعر العُمانی عبد الله الکعبی، من منظور سیمیائی یستند إلى نظریة غریماس وفونتنیی. إذ ینطلق البحث من فرضیة مفادها أن العاطفة لیست عنصراً ثانویاً فی الخطاب الشعری، بل تمثّل مکوّناً أساسیاً فی بنیة المعنى وتشکیل التجربة الإنسانیة التی تتجلّى داخل النصوص. ویُنظر إلى الشعر فی هذا السیاق بوصفه مجالاً غنیاً تتداخل فیه المعرفة بالخیال، وتتشابک فیه الانفعالات مع السرد واللغة والصور، مما یجعل مقاربته من منظور سیمیائی للعواطف أمراً ضروریاً لفهم دینامیة الدلالات التی تتشکل داخل النص. یسعى البحث إلى معالجة مشکلة مرکزیة، تتمثّل فی کیفیة حضور الحب وما یقابله من کره أو موقف انفعالی مضاد فی شعر الکعبی، وکیف تجری ترجمة هذه الحالات الوجدانیة إلى علامات لغویة ورمزیة تنتمی إلى مستویات سطحیة وأخرى عمیقة. وتستند المشکلة البحثیة إلى ملاحظة أن دیوان ضمیر المخمل یتسم بغنى عاطفی ملحوظ، یفرض على الباحث مقاربة منهجیة تتجاوز القراءة الجمالیة التقلیدیة نحو کشف البنى المنظمة لهذه المشاعر. ومن ثم یهدف البحث إلى تحلیل الأهواء المتنوعة التی یعبّر عنها الشاعر، خاصة الحب بوصفه مرکزاً دلالیاً یوجّه بقیة الانفعالات، والکره الذی لا یتجه نحو الأشخاص قدر اتجاهه نحو الظلم والمعاناة، بالإضافة إلى حالات أخرى کالفقد والتشرد والاغتراب. الهدف الأساسی للبحث هو توضیح کیفیة تشکّل هذه الأهواء داخل النصوص، وتفاعلها مع مکونات السرد واللغة، ومساهمتها فی بناء منظومة قیمیة تعکس رؤیة الشاعر للعالم، مستنداً فی ذلک إلى نظریة سیمیاء العواطف. کما یسعى البحث إلى ربط هذه العواطف بالهویة الفردیة والجمعیة للشاعر، وإظهار أثرها فی تشکیل معنى الانتماء والوطن، والانکسار والأمل، بحیث یمکن فهم شعر الکعبی بوصفه فضاءً دلالیاً تنسج فیه الذات انفعالاتها بصورة مرکبة تضمن استمرار التوتر بین القرب والبعد، وبین الرغبة والرفض، وبین الألفة والاغتراب.
المنهجیّة: یعتمد البحث منهجاً سیمیائیاً یستند إلى مقاربات غریماس وفونتنیی، حیث تُدرَس العواطف من خلال بنیتها الخطابیة وأدواتها التحلیلیة. ویتجلى ذلک فی اعتماد النموذج العاملی الذی یفصل بین الفاعل والموضوع والمرسل والمساعد والمعارض وغیرها من العناصر السردیة التی تنظم الحرکة داخل النص. کما تستعین المقالة بالمربع السیمیائی الذی یوضّح العلاقات التضادیة والتضمینیة والتناقضیة بین المفاهیم، مما یسمح بکشف التوترات الداخلیة التی تحکم علاقة الذات بالعالم. وتقوم المنهجیة على تحلیل مستویات الدلالة فی النصوص؛ من المستوى السطحی حیث تتجلى الصور الحسیة والعلامات المباشرة، إلى المستوى العمیق الذی تنکشف فیه البنى الدلالیة المرتبطة بالهویة والانتماء، وبالمنظومة القیمیة التی تتحکم فی العواطف. کما یستند التحلیل إلى آلیات قیاس الانفعالات التی یقترحها منهج سیمیاء الأهواء، مثل الشدة والکمیة والرغبة والمزاج، للکشف عن درجات التوتر والانجذاب والانفصال فی الخطاب.
المناقشة والتحلیل: یتناول البحث تمثّلات الحب والکره، بوصفهما قطبین عاطفیین رئیسیین فی دیوان ضمیر المخمل، وتوضح کیف یتجلى الحب بوصفه عاطفة اتصالیة تربط الذات بموضوعها، سواء کان الوطن أو الحبیبة أو الماضی. ویظهر الحب فی شعر الکعبی قوة جاذبة تتشکل عبر صور حسیة تستمد دلالتها من الحیاة الیومیة، حیث تُستدعى عناصر البیئة کالتمر والنخیل والمطر، لتکون علامات على علاقة تتجاوز المادی نحو مستویات رمزیة أعمق. وبهذا یتحول الحب إلى قیمة وجودیة تغذیها الذاکرة وتجددها التجربة، فیظهر بوصفه رابطاً یُعید للذات توازنها فی مواجهة التشتت والقلق. وفی المقابل، یُطرح الکره کعاطفة انفصالیة لا تتجه نحو الکیان المحبوب ذاته، بل نحو ما أصابه من تشویه وألم. لذلک یتمثل الکره فی شعر الکعبی بوصفه موقفاً احتجاجیاً ضد الظلم والعنف، ویتجلى فی الخطاب عبر صور للمجازر والدم، مما یجعل الکره فعلاً دفاعیاً یحمی القیمة التی یمثلها الوطن، بدل أن یکون رفضاً لها. ویُبرز التحلیل أن هذا الکره یندمج مع الحب فی علاقة تُعید تشکیل التجربة العاطفیة فی النص، فیتداخل الرفض مع الرغبة، والألم مع الحنین، مما یعکس دینامیة الأهواء التی تتغیر وفق الزمن والسیاق. کما یکشف البحث عن حضور قوی لمفهوم الاغتراب، بوصفه حالة تنتج عن انفصال الذات عن موضع الألفة. ویتمظهر الاغتراب فی صور الرحیل والغیاب والتشرد، حیث یتجسد الألم المرتبط بالفقد. وتوضح منهجیة سیمیاء الأهواء أن هذا الاغتراب یحمل طابعاً تناقضیاً، إذ یزید من شدة الارتباط بالموضوع حتى وهو یغیب، مما یعکس طبیعة العاطفة بوصفها حرکة بین الاتصال والانفصال. ویتوسع التحلیل لیشمل قصیدة "وحید ککتاب"، التی تعرض العلاقة بین الذات وماضیها الفنی عبر رموز مثل الدیوان والغلاف والعطر. ویتحول الکتاب إلى مرآة للعاطفة، إذ یرمز الغلاف إلى الرحلة، والعطر إلى البعد الروحی للتجربة، بینما یشیر تلاشیه إلى إدراک الذات هشاشتها. ویتبین أن هذا التفاعل بین الأشیاء والذات لیس مجرد وصف، بل هو تمثیل للهویة التی تتشکل عبر التذکر والتأمل فی الزمن. کما یُظهر التحلیل أن الدیوان یقدم توازناً بین العواطف المتضادة، بحیث یصبح الشعر مساحة لإعادة بناء العالم وفق رؤیة ذاتیة لا تنفصل عن القیم الإنسانیة الکبرى کالحریة والعدل والانتماء. ویتجلى هذا فی لغة شاعریة تتراوح بین المباشرة الحسیة والرمزیة المتعالیة، مما یمنح الخطاب طابعاً مرکباً یجمع بین انفعالات الجسد ورؤى العقل.
الإنجازات: یلخص البحث إلى أن دیوان ضمیر المخمل یُعد نموذجاً غنیاً لدراسة العواطف من منظور سیمیائی، إذ یکشف التحلیل أن الحب یمثل محوراً دلالیاً ینظم بقیة الانفعالات، فیما یأتی الکره بوصفه رد فعل على الألم، لا بوصفه نقیضاً مباشراً للحب. وتظهر العواطف فی الدیوان من خلال تفاعل متواصل بین المستویین السطحی والعمیق، بحیث تُترجم الصور الحسیة إلى قیم وجودیة تُعبّر عن هویة الشاعر ورؤیته للعالم. کما یثبت البحث أن تطبیق منهج غریماس وفونتنیی یسمح بفهم أعمق لدینامیات الخطاب الشعری، إذ یُظهر النموذج العاملی والمربع السیمیائی کیف تتشکل العلاقات بین الذات والموضوع، وکیف تنظم العواطف حرکة السرد داخل النص. وتبین النتائج أن شعر الکعبی یقدم منظوراً إنسانیاً یجعل من العاطفة وسیلة لقراءة الواقع وتجاوز آلامه، من خلال تحویل التجربة الشخصیة إلى علامات دالة تعکس هواجس الجماعة وذاکرتها. وبذلک یضیف الدیوان إسهاماً مهماً إلى دراسات سیمیاء العواطف، بما فیه من قدرة على بناء خطاب یعبر عن توتر دائم بین الحضور والغیاب، وبین الرغبة والمقاومة، مما یجعل تجربته الشعریة مساحة خصبة لتحلیل المعنى والانفعال معاً.
موضوعات