نوع مقاله : مقاله پژوهشی
چکیده
بیان المسئلة والهدف: إنّ الدراسات النقدیّة العربیّة التی تناولت البنیة الزمکانیّة (الکرونوتوب) بوصفها نظامًا جمالیًّا ودلالیًّا فی الروایة العربیّة ما زالت نادرة. ومن هنا تنبع مشکلة البحث، إذ یسعى إلى الإجابة عن سؤالٍ أساسی: کیف وظّف سعداوی العلاقة بین الزمان والمکان لإعادة تشکیل التجربة العراقیّة فی مرحلة ما بعد الاحتلال وسقوط النظام الاجتماعی بعد 2003م. یهدف البحث إلى تحلیل الوظائف الفنیّة والدلالیّة للبنیة الزمکانیّة فی هذه الروایة کنظام قادر على التعبیر عن أزمات الوعی الجمعیّ والهویّة فی العراق، اعتمادًا على مفهوم الکرونوتوب کما صاغه میخائیل باختین.
المنهجیّة: اعتمدت الدراسة المنهج الوصفیّ - التحلیلیّ، مستنیرةً بتحلیل الخطاب السردیّ وبمفهوم الکرونوتوب عند میخائیل باختین. تمّ تحلیل النصّ عبر مرحلتین: الأولى رصدُ الأمکنة المرکزیّة فی الروایة وتصنیفُ أنواع الکرونوتوبات الموجودة فیها (کالخرابة، السوق، المستشفى، المقبرة)، والثانیة دراسة تجلّیات الزمکانیة (الکرونوتوب) فی مستویات متنوعة من النصّ ( الأمکنة المرکزیة، الأزمنة المختلفة، بنیة الشخصیات، الخطاب الوصفی.
المناقشة والتحلیل: تشکِّل البنیة الزمکانیة فی روایة «فرانکشتاین فی بغداد» نسیجاً معقداً یتجاوز کونه إطاراً حاملاً للأحداث لیصبح فاعلاً رئیساً فی تشکیل الرؤیة الجمالیة والدلالیة للروایة. ویمکن تفصیل التحلیل على النحو الآتی: لم تکن «الخرابة» التی یسکنها هادی العتّاک مجرد مکان مادی، بل هی فضاء زمکانی یرمز إلى الانهیار الحضاری. إنها استعارة لبغداد کلها، المدینة التی أصبح نصفها قائماً ونصفها الآخر أنقاضاً، مما یعکس تشظی الهویة الوطنیة والبحث المستحیل عن کیان موحَّد. هذا الفضاء هو بؤرة ولادة «الشسمة»، مما یجعله کرونوتوباً للخلق المشوَّه والولادة المعکوسة من رحم الموت حیث تتحول إلى مستودع للذاکرة الجمعیة الجریحة. تتحول الفضاءات الیومیة کالأسواق والمقاهی (مثل مقهى عزیز المصری) من أماکن للحیاة والتجارة إلى مسارح دائمة للعنف العشوائی. فساحة الطیران، على سبیل المثال، لیست مجرد موقع جغرافی، بل هی فضاء یختزن لحظة انفجار محددة. هنا، یمتزج الزمن الیومی بزمن المغامرة والعنف بشکل عضوی وهکذا تتحوّل الحیاة إلى حالة من الانتظار الدائم للکارثة، مما یعکس استمراریة الأزمة وعدم قدرة المجتمع على تجاوز صدمة العنف المتکرر. تمثِّل المستشفیات (مثل مستشفى الکندی) أماکن لا تُعالج الجروح فحسب، بل تُکشف عن عجز المنظومة بأکملها وترمز إلى الجسد الوطنی الجریح الذی یعانی من نزیف مستمر. الزمن هنا معلّق ومشبع بمعاناة الضحایا المجهولین. أما المقابر، إنها الأرشیف النهائی للضحایا لتصبح الفقدان هو اللغة الوحیدة للوجود وهکذا عند إیلیشوا- فی تعلقها بقبر ابنها الفارغ- یتحوّل الزمن إلى فخّ نفسی. فالمقابر کرونوتوب للزمن الساکن الذی یطغى فیه الماضی على الحاضر. شخصیة هادی لا تنفصل عن الزمکان الذی تتحرک فیه. مهنته (تاجر الأنقاض والأثاث المستعمل) تربطه عضویاً بفضاءات الموت والبقایا. محاولته «ترکیب» الجثة هی محاولة یائسة لـ «ترکیب» الزمن والمکان المشظیین، فهو لا یجمع أشلاء بشریة فحسب، بل یجمع أزمنة متقطعة وفضاءات منفصلة فی کیان واحد. تبلغ الزمکانیة ذروتها فی شخصیة «الشسمة» حیث کل جزء من جسده یحمل ذاکرة مکان وزمان مختلف، مما یجعله کرونوتوباً متحرکاً حاملاً جراح أزقة بغداد کلها. مطالبته بالثأر لیست فقط للضحایا، بل هی محاولة «لتصحیح» الزمن المکسور وتطهیر الأماکن التی تدنست بالدم. حواره مع هادی حول حاجته إلى «أجزاء جدیدة» یظهره ککائن زمنی یحتاج إلى التغذی من استمراریة العنف لیبقى موجوداً. تمثل إیلیشوا الکرونوتوب النفسی. إنها تعیش فی «زمکان وهمی» تخلقه ذاکرتها، فترى فی «الشسمة» تجسیداً لابنها، مما یظهر کیف یمکن للصدمة أن تفکّک نسیج الإدراک الزمکانی. أما محمود السوادی، الصحفی، فیمثل وعیاً زمکانیاً مراقباً. محاولاته توثیق قصة «الشسمة» هی محاولات لفهم المنطق المشوّه للزمکان البغدادی نفسه. تحوُّلاته من مراسل إلى مشارک فی الأحداث تعکس اختراق العنف لکل الفضاءات، حتى فضاء المراقبة «المحایدة». لم یکن الوصف فی الروایة زخرفاً بلاغیاً، بل کان أداة بنیویة فی تشیید العالم الزمکانی. أوصاف الأنقاض والجثث المتعفنة والأزقة الضیقة لم تکن مجرد مشاهد بصریة، بل کانت مشحونة بالزمکان. الوصف التفصیلی لتحلُّل جسد «الشسمة» یرمز إلى تحلُّل الجسد الاجتماعی. لقد نجح الوصف فی تحویل بغداد إلى کائن حیّ ینزف ملبّساً الزمان والمکان صفة الحسیة والتجسید. الروایة، عبر بنیتها الزمکانیة، تفجّر الثنائیات التقلیدیة؛کما أن الزمن الخطی (ماضی - حاضر - مستقبل) یتشظى لیحل محله زمن دائری. الماضی لا ینقضی بل یثقل على الحاضر، والحاضر لا یبنی مستقبلاً بل یعید إنتاج الماضی. وأیضاً تفکک الروایة نسیج المکان التقلیدی. یفقد المکان قدسیته ووظیفته؛ فالمأوى یتحول إلى خرابة، والمقهى مکان اللقاء یصیر مسرحاً للعنف، والمستشفى ملاذ الشفاء یغدو فضاءً للألم المزمن، والمقبرة مستقر الموت تتحول إلى مکان للحیرة والانتظار. هذه الدائریة الزمانیة وهذا التحویل المکانی یعکسان معاً الشعور بالجمود والیأس من إمکانیة الخروج من حلقة العنف.
الإنجازات: خلصت الدراسة إلی أن السعداوی استطاع عبر المزج الخلّاق بین الزمان والمکان أن یقدّم قراءةً فنیّةً لأزمة الهویّة والعنف والانهیار الاجتماعیّ فی العراق المعاصر وأظهرت النتائج أنّ: الأزمنة؛ فی الروایة تعکس التجربة الدائریّة للعنف فی المجتمع العراقیّ. الأمکنة؛ فی الروایة تتحوّل إلى استعاراتٍ ثقافیّةٍ وتاریخیّة تربط بین الواقع والخیال. الشخصیات تُجسِّد أزمة الزمکان المشظى. اللغة الوصفیة توظّف الخیال الرمزیَّ لخلق تعبیرٍ سردیٍّ جدیدٍ عن الذاکرة الجماعیة والوجع الوطنی. الکرونوتوب یشکّل البنیة العمیقة التی تنظّم البناء السردیّ للروایة وتوحّد مستویاته (زماناً، مکاناً وشخصیاته). وبذلک تُبرِز الروایة – من خلال بنیتها الزمکانیّة – أنّ الأدب قادرٌ على تشریح الواقع وإعادة إنتاجه جمالیًّا، وأنّ مفهوم الکرونوتوب یمثّل أداةً فعّالة لفهم تحوّلات السرد العربیّ المعاصر.
موضوعات